محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
7
أخبار القضاة
جوابه : إن الإجماع مانع فيهما واختص حكمه في مسائل الخلاف بمانع آخر ، وتقريره : - أن اللّه تعالى جعل للحكام أن يحكموا في مسائل الاجتهاد ، بأحد القولين ؛ فإذا حكموا بأحدهما كان ذلك حكما من اللّه تعالى في تلك الواقعة ، وإخبار الحاكم بأنه حكم فيها كنص من اللّه ورد خاص بتلك الواقعة معارض لدليل المخالف لما حكم به الحاكم في تلك الواقعة ، مثاله ما قاله مالك : والدليل عندي على أن القائل لامرأة : إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ، فإذا تزوجها طلقت ثلاثا ، ولا يصح له عليها عقد إلا بعد زوج ، واتفق أن ذلك القائل تزوجها ، وأقام معها على مذهب الشافعي ، وطلقها واحدة وبانت منه بانقضاء العدة ، ثم عقد عليها فرفع ذلك العقد لحاكم شافعي فحكم بصحته ، صار هذا من قبل صاحب الشرع في خصوص هذا الرجل الحالف دون غيره من الحالفين الذين لم يتصل بهم حكم حاكم ؛ لأن اللّه قرره بالإجماع ، وما قرره بالإجماع فقد دل دليل قطعي من قبل صاحب الشرع عليه إلخ العبارة التي ذكرت في الأحكام . وفقهاء المسلمين كانوا حراصا على جمع قضايا الفقهاء خصوصا قضايا الخلفاء الراشدين ، ومن أخذ عنهم من التابعين ، ففي ذلك ضمان لقضاياهم من أن تحيد عن المبادئ السامية التي جاء بها الإسلام ، وحرص على نشرها في أرجاء الدولة الإسلامية علماء المسلمين خصوصا أن آراء القضاة لم تكن مقصورة على ما يسمى على التحديد قضايا ، بل كانت تصرفاتهم تتناول شيئا كثيرا مما يدخل في عصرنا اليوم في النظام الإداري ، بل كانت في بعض الأحايين تتعداه إلى الأمور العسكرية . فقد وكل المأمون إلى قاضيه يحيى بن أكثم قيادة عسكره ، وكذلك فعل عبد الرحمن الناصر مع قاضيه المنذر بن سعيد ، وقد وضع توبة بن النمر قاضي مصر في زمن هشام بن عبد الملك يده على الأحباس وقد كانت في يد أهلها وأوصيائهم فقال : ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين ، فأرى أن أضع يدي عليها حفظا لها من الضياع ، وكثيرا ما كانت شؤون من السلطة التنفيذية بيد القضاة ، كأعمال الشرط ، أو دار الضرب والسكة إلى غير ذلك مما يعرفه الدارسون للنظم الإسلامية في العصور الأولى من تاريخ الإسلام . وكثيرا ما كان القضاة يحاج بعضهم بعضا ، حتى في الآراء الفقهية بما عرف عن السلف الصالح من قضاء وآراء في الدعاوى ، أو في الشؤون التي كان يقوم بها القاضي وفقا لما سوغ له في منشور توليته ، وقد كان ذلك المنشور دائما فيصلا في تحديد اختصاص القاضي حتى لا يجور على سلطة أمير البلد أو الإقليم . تلك هي بعض الميزات الظاهرة التي تتمتع بها هذه المجموعات الرسمية القضائية ، وهي مرعى خصيب لمن رام دراسة تطور الفقه الإسلامي وقضايا القضاة المسلمين عصرا أثر عصر وجيلا بعد جيل ، ليعرف العوامل التي أثرت على الفقه الإسلامي وأثرت على قضاته ، ومدى هذا التأثير ، ويعرف تلك الحرية الواسعة والاستقلال الكامل ، والنزاهة المطلقة التي تحلى بها قضاة المسلمين في العصور التي نعرف عن تاريخها السياسي ما نعرف ، ونعرف مقدار تعرض قضاة المسلمين وفقهائهم لأنواع من الأذى ، وألوان من العبث تنوء بظهر القوى الحول ، وقد روى ابن السبكي في